التنصيب عن الخصم الغائب… من وسيلة لتسريع العدالة إلى سبب لإطالة أمد النزاع

15 فبراير، 2026
شرّع قانون المرافعات للمحكمة حق التنصيب عن الخصم الغائب أو الفار من وجه العدالة باعتباره إجراءً استثنائيًا يهدف إلى منع تعطيل الفصل في القضايا، وتحقيق العدالة الناجزة دون انتظار حضور الغائب أو إحضار الفار. وكان المقصود من هذا التنظيم أن يُغلق باب المماطلة، ويمنع تعطيل الخصومة بسبب غياب أحد أطرافها.

غير أن الواقع العملي يكشف مفارقة لافتة؛ إذ تحوّل هذا الإجراء – في كثير من القضايا – من أداة لتسريع العدالة إلى أحد أسباب إبطائها.

فبدل أن يُسهم التنصيب في إنجاز القضايا، أصبح في بعض الحالات مدخلًا لتعثرها لسنوات، تتداولها الدوائر القضائية من قاضٍ إلى آخر ومن هيئة إلى أخرى، دون أن تتقدم خطوة حقيقية نحو الحسم. والسبب في ذلك لا يعود إلى النص القانوني ذاته، وإنما إلى طريقة تطبيقه.

كثيرًا ما يُنصَّب محامٍ عن الخصم الغائب، دون أن يُمكَّن فعليًا من مباشرة مهمته؛ فلا يُزوَّد بصورة من ملف القضية، ولا تُحدد أتعابه أو تُدفع، ولا يُتابَع حضوره أو التزامه. فيغيب عن الجلسات، أو يطلب التأجيل للاطلاع، أو يعتذر، فتدخل الدعوى في حلقة مفرغة من التنصيب والتأجيل، ثم إعادة التنصيب، ثم التأجيل مرة أخرى.

وحين تعجز المحكمة عن استمرار السير مع المحامي المنصَّب، تلجأ إلى تنصيب آخر، فيُعاد المشهد ذاته، وكأن الخصومة تبدأ من جديد. وهكذا تتراكم القرارات المؤجلة، وتتكدس الملفات، ويُرهق كاهل القضاء بقضايا كان يفترض أن يُعالجها هذا الإجراء لا أن يعقّدها.

إن المشكلة ليست في مشروعية التنصيب، بل في غياب الضوابط العملية التي تكفل فاعليته. فالتنصيب لا ينبغي أن يكون إجراءً شكليًا يقيّد في محضر الجلسة فحسب، بل التزامًا حقيقيًا يترتب عليه تمكين المحامي من أدوات الدفاع، ومساءلة الأطراف عن أي تقصير يعرقل سير الخصومة.

ولم نجد – إلى هذه اللحظة – حلولًا عملية جذرية لهذه المشكلة، باستثناء ما يقوم به القاضي عبد اللطيف بابكر، رئيس الشعبة المدنية الثانية بمحكمة الاستئناف – محافظة ذمار، إذ يتعامل مع التنصيب بوصفه إجراءً منتجًا لا شكليًا، فيعمل على معالجة هذه الإشكالية من خلال ما يلي:

(يُلزم الطرف الحاضر في الخصومة بتزويد المحامي المنصَّب بنسخة من ملف القضية، وإثبات دفع أتعابه، والتواصل معه). وعند التخلف عن ذلك، يتخذ ما يلزم من جزاءات إجرائية تضمن احترام توجيهات المحكمة.

الأمر الذي يُلزم الطرف الحاضر بتنفيذ توجيهات المحكمة تجاه المُنصَّب، ويؤدي إلى سلاسة سير الإجراءات وتنفيذ القرارات وإنجاز القضايا في وقت معقول.

هذه الآلية البسيطة في ظاهرها أحدثت فارقًا ملموسًا في انتظام الجلسات وسرعة البت في القضايا، لأنها أعادت للتنصيب غايته الأصلية: تمكين الدفاع دون تعطيل الفصل.

ومن هنا، نتمنى من بقية القضاة وهيئات الشعب الاستئنافية الاستفادة من هذه الأساليب الناجحة في معالجة معضلة أصبحت سببًا رئيسيًا من أسباب تراكم القضايا وإرهاق كاهل السلطة القضائية.

كما نتمنى من هيئة التفتيش القضائي التركيز على مثل هذه المسائل التي تدخل ضمن اختصاصها، بدل الانشغال بقضايا ومسائل خارجة كليًا عن نطاق عملها.

والله من وراء القصد؛؛؛

✍ يحيى علي الجرفي – المحامي
محمد

محمد

مرحبا بالجميع معكم محمد مدير الموقع أنا رهن الاشارة في حالة احتجت اي مساعدة

اترك تعليقًا